يُعدّ جامع طينال في مدينة طرابلس أحد أبرز المعالم الإسلامية في لبنان، وتحفة معمارية تختزن في حجارتها ذاكرة المدينة وتاريخها العريق. شُيّد المسجد عام 1336م في العهد المملوكي بأمر من الأمير سيف الدين طينال الناصري، على أنقاض موقع أثري يعود إلى حقب بيزنطية وصليبية، ما يمنحه طابعًا تاريخيًا فريدًا يمزج بين طبقات حضارية متعددة.
يمتاز الجامع بتصميمه المملوكي الأصيل، حيث يتوسطه صحن واسع تحيط به الأروقة، وتعلوه قباب حجرية أنيقة، فيما ترتفع مئذنته المربعة شامخة فوق المكان. وتزدان جدرانه بالزخارف الهندسية والنقوش الحجرية الدقيقة التي تعكس براعة العمارة الإسلامية في تلك الحقبة. كما يُلاحظ استخدام الأعمدة والتيجان المعاد توظيفها من مبانٍ أقدم، في مشهد يجسد تداخل التاريخي بالديني والمعماري.
ولا يقتصر دور جامع طينال على كونه مكانًا للعبادة، بل يمثل شاهدًا حيًا على التحولات التي عرفتها طرابلس عبر القرون، من العصور البيزنطية إلى المملوكية ثم العثمانية. وقد خضع المسجد لعمليات ترميم للحفاظ على قيمته التراثية، ليبقى رمزًا من رموز الهوية الثقافية للمدينة ووجهة للزوار والباحثين في تاريخ العمارة الإسلامية.
بهذا، يظل جامع طينال أكثر من مجرد مسجد؛ إنه سجل حجري يروي قصة مدينةٍ حافظت على إرثها رغم تقلبات الزمن.

إرسال تعليق