لقد أشعلت التوترات في الشرق الأوسط (وتحديداً منذ تصاعد الصراع مع إيران في مارس 2026) أزمة حقيقية في قطاع أشباه الموصلات، لكنها أزمة من نوع خاص؛ فهي لا تتعلق بمكان تصنيع الرقائق بقدر ما تتعلق بالمواد الخام الحيوية التي تعتمد عليها المصانع الكبرى في تايوان وكوريا الجنوبية.
إليك تحليل دقيق لما يحدث في الصناعة حالياً (أبريل 2026):
1. أزمة "الهيليوم" (نقطة الاختناق الكبرى)
تعتبر هذه أخطر تداعيات الحرب الحالية. الهيليوم غاز أساسي لتبريد الرقائق وتنظيفها أثناء التصنيع، ولا يوجد له بديل صناعي على نطاق واسع.
توقف الإمدادات: قطر توفر وحدها نحو ثُلث إمدادات الهيليوم العالمية. أدى استهداف مجمع "راس لفان" الصناعي في قطر خلال شهر مارس الماضي، إلى توقف الإنتاج والشحن بشكل شبه كامل.
انعكاس الأسعار: تضاعفت أسعار الهيليوم منذ اندلاع الحرب، مما دفع شركات مثل TSMC وSamsung للبحث عن بدائل عاجلة، رغم أن سامسونج تمتلك أنظمة متطورة لإعادة تدوير الهيليوم بنسبة 90%، مما خفف عنها الصدمة قليلاً.
2. "عاصفة التكاليف" في المواد الخام
الصراع أدى لارتفاع أسعار مواد كيميائية وبلاستيكية تدخل في تصنيع معدات الرقائق:
البلاستيك الهندسي: ارتفعت أسعار اللدائن الهندسية المستخدمة في غرف التصنيع الدقيق بنسبة 5% إلى 20% نتيجة ارتفاع أسعار النفط (المادة الخام لهذه اللدائن) بسبب التوترات في مضيق هرمز.
المعادن النادرة: المنطقة مورد مهم للبروم والكبريت والألمنيوم، وكلها عناصر تدخل في صناعة المكونات الإلكترونية "الخاملة" (Passive Components) مثل المكثفات.
3. تهديد مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي
رغم أن الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي لا يزال في مستويات قياسية (حيث حققت TSMC إيرادات قياسية في الربع الأول من 2026)، إلا أن الحرب تهدد البنية التحتية:
أزمة الطاقة: تعاني دول مثل تايوان من قلق شديد بشأن إمدادات الغاز الطبيعي المسال (LNG) اللازم لتوليد الكهرباء لمصانع الرقائق، حيث لا تملك تايوان مخزوناً يكفي سوى لـ 11 يوماً فقط في حال انقطاع التوريد من الشرق الأوسط.
تأخير المشاريع: تشير التقارير إلى أن تكاليف بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي قد ترتفع بنسبة 10% إلى 20% نتيجة أزمة الطاقة، مما قد يؤدي لإلغاء أو تأجيل مشاريع ضخمة في المنطقة وآسيا.
4. وضع "إنتل" في إسرائيل
على الرغم من الحرب، لا تزال عمليات إنتل (Intel) في إسرائيل مستمرة، لكن تحت ضغط كبير:
تسعى الشركة لتقليص نفقاتها عالمياً (تسريح آلاف الموظفين في 2026)، والوضع الأمني يزيد من تعقيد العمليات اللوجستية وتأمين الموظفين في مصانعها هناك (مثل مصنع Kiryat Gat).
الخلاصة
الصناعة الآن في حالة "اختبار صمود". وبينما تمتلك الشركات الكبرى مخزوناً من الهيليوم يكفيها لفترة قصيرة، فإن استمرار الحرب وتوقف إمدادات قطر لأشهر إضافية قد يؤدي إلى نقص عالمي في الرقائق يشبه ما حدث في أزمة 2021، ولكن هذه المرة سيكون المحرك هو "نقص المواد الخام" و"ارتفاع تكلفة الطاقة" بدلاً من زيادة الطلب.
.webp)
إرسال تعليق